بالأمس انتهينَا …
بقلم .الكاتبة غفران عزوز
كزهرة تُوليب ربيعيّة،كانت مُنغلقة على أسرارها..تجلس بهدوء أمام بيانو أسود وضع بعناية في ركن غرفتها ..لم تكن تشبه في جمالها وفِتنتها أحد..كانت كائنََا ضوئيََّا بفُستان ورديّ مكشوف الظهر قليلا وبشعر طويل منسدل على كتفيها، تعزف بدلال سيمفونيتها الكلاسيكية المعهودة “Adagio in minor” وسِلال من الورود لمُعجبيها تملأ المكان،بدتْ لوهلة أنها تتمايل مع نُوتاتها الموسيقيّة الهاربة من الزمن وذلك في تواطؤ تامّ ..حتى الستائر لم تستطع هي الأخرى إخفاء فرحتها فراحتْ تتراقص على أنغامها..
كان عزفها شلال فرح ،يتساقط كالنيزك الخفيف في أعماق القلب والروح فتولد النجوم من رحم جمالها!
وتواصل المشهد هكذا إلى أن توّقفت عن العزف فجأة ..فهدأ كل شئ من حولها..بقيتْ بُرهة تتأمّل هذا السكون.. وكأنها تذّكرت شيئا.. شبيه بذكرى قديمة عبَرتها…فعلا هذا اليوم يصادف ذكرى إنفصالهما الأولى..
تذكرت إتّصاله الهاتفي الأخير وكيف تحوّل غيابه إلى عادة أرغمتها على الصمت لكنّه لم يغادر ذاكرتها..مازال قلبها يخفق كلما مرّ اسمه بِبالها..وتذكرت كيف أضحت،منذ رحيله،كل أيامها متشابهة..وكيف انتصر ذاك الغبار السميك على صوره و رسائله ..لكن بريق عينيه لا زال كما هو متوهجا كالشمس الحارقة ولم يصدأ بمرور الزمن..
تراها أحبتّه .. إلى حد الإرتواء.. إلى حد أن تلمح وجهه بدل عنها كلما تفحصت ملامحها في المرآة ؟!
فلازال نبض الشوق يخفق له كطائر أسطوريّ يقطنها بسريّة داخل أعماقها ومازالت طُبول الذكريات تدق والورود الندية تتفتح كل صباح على إيقاع دهشتها!..
كان في نظرها رجلاََ بملامح عادية فزرعت في أعماقه حُقولا من الأقحوان والبنفسج وحوّلت إبتسامته الغامضة إلى قوس قزح وشعره الأسود الفاحم إلى سماء بآلاف النجمات ثم أضاءت مصابيح لهفته بجُنونها و رتابة أيامه إلى سيمفونية مثيرة مثل إسطوانات “جون كُوكر” المَنسيّة ..مثل أغاني الجاز وهي تعزف برقّة على ضفاف بحيرة سحريّة!..
معه تعلّمتْ أبجديّات القفز على الحبل دون خوف من السقوط لأنّه كان سندها .كما تعلّمتْ كيف تبني قُصورََا من الرمال وتزيّنه بأصداف البحر وحين تنتهي تشرق من عينيها الدهشة وتطير من الفرح كالفراشة الشفافة!…
فكيف مضى هذا الساحر وكيف لم تنتبه لرحِيله المفاجئ وهو يَجمع أشياءِه الواحدة تلو الأخرى التي صنعتْ يومََا بهجتها؟
ليس هو من مضى..
حقََّا ؟منْ إذنْ؟ تساءلتْ بحُزن يملأ عينيْها…
إنّه الحُبّ جاء وقضَى فُصُوله الأربعة معها ثم ولَّى!
هي الحكاية ببساطة
فلنوّدعه بصمتِِ كبير.
انتهى.
بقلمي غفران_ عزّوز
